12 June 2008 04:09 am
عقلٌ مأزوم.. وفي إجازة أيضاً!!

Print Viewطباعة الخبر  ( قراء : 759 )

عقلٌ مأزوم.. وفي إجازة أيضاً!!,د/عبدالعزيز المقالح,
د/عبدالعزيز المقالح



شاعت في الثمانينيات من القرن المُنصرم نُكتةٌ جارحةٌ عن العرب، كانوا هُم أوَّل مَنْ يتداولها ويُعيد روايتها، ورغم كونها بالغة الدلالة على عجز العقل العربي، وتعكس افتقار أصحاب هذا العقل إلى التصرُّف السليم، إلاَّ أنَّها تقترب، إلى حدٍّ ما، من حقيقة أنَّ العربي لا يستخدم عقله ولا يُحسن التصرُّف في الأُمور، وقد ذهب مُخترع النُّكتة - سواءٌ كان عربياً أو أجنبياً - إلى القول بأنَّ هُناك متجراً في إحدى العواصم الأُوروبِّيَّة يبيع الأدمغة، وحين يذهب الراغبون في الشراء إلى ذلك المتجر يتفاجأون بأنَّ الأدمغة الألمانية والبريطانية والفرنسية وغيرها من أدمغة أبناء الشُّعوب المُتقدِّمة، تُباع بأرخص الأثمان، بينما يُباع الدماغ العربي بثمنٍ مُرتفعٍ لا يُقاس بأثمان الأدمغة الأُخرى، وعندما يسأل المُشترون عن السبب يُقال لهم : إنَّ الدماغ العربي خام ولم يُستخدم بعد!!
نُكتةٌ جارحةٌ حقَّاً، ولكنَّها في رمزيتها تنطوي على الكثير من الحقائق المسكوت عنها عربياً، وفي مُقدِّمتها فضح المواقف الباهتة والسخيفة للأحداث التي تمرُّ بالوطن العربي، والتي تكاد تُحرِّكها الغرائز لا العقل، وتنطلق من ردود الأفعال الذاتية لا من التفكير السليم، كما تتجلَّى أبعاد النُّكتة في رصدها لغياب العقل العربي طوال فترةٍ ليست بالقصيرة، عن أُسلوب تعاملنا مع بعضنا البعض ومع الآخرين في مواقف لا يحكمها المنطق ولا تُحرِّكها الغاية المُثلى الصادرة عن حالة التوازن الرُّوحي والنفسي، ولا تأتي استجابةً لسياسةٍ مدروسةٍ أو وفقاً لحاجةٍ محدودة، وإنَّما هُو الارتجال الذي يكشف دائماً ما يُقال من أنَّ العقل العربي في إجازة أو يُثبت ما تقوله النُّكتة من أنَّه خارج نطاق الاستخدام.
والمُعيب والغريب في غياب التعامل مع العقل، أنَّ ذلك لا يحدث في أوساط الجهلة أو مَنْ يُسمَّون بالرعاع والسواد الأعظم، وإنَّما يتمُّ بين أوساط المُثقَّفين والسياسيين وفي نطاق كبار المسؤولين المُوكل إليهم التصرُّف في الشُّؤون العامَّة، وهُنا تكون الكارثة وتتلاحق الانكسارات، ويبدأ العالم في النظر إلى العرب كأعداءٍ لأنفسهم وضحايا لمواقفهم اللاَّمعقولة.
وفي الساحة العربية الآن عشرات، بل مئات الشواهد الدالَّة على غياب العقل العربي وتجميده عن مُمارسة واجبه تجاه ما جرى ويجري من استباحةٍ للوطن والتاريخ والمبادئ، ولا يستطيع الدارس المُتابع أن يتنبَّأ بالزمن الذي سيعود فيه العقل العربي إلى التحكُّم في الأحداث وإعادة النظر في كثيرٍ من الأُمور المغلوطة وتصحيح ما يُمكن تصحيحه في ضوء المنطق والاحتكام إلى المصلحة الوطنية والقومية.
لقد أنعم اللَّه تعالى على الإنسان بالعقل، وجعله الدليل والقائد إلى اختيار الطريق القويم، وفي حالة الانحراف عن استخدام هذا الدليل أو تعطيله، فإنَّ الملوم هُو الإنسان وحده لا الأعداء ولا الطامعون في الغنائم، ويظلُّ العقل في كُلِّ الحالات جاهزاً للإنقاذ، وفي لحظات مُحاسبة النفس يتجلَّى وجوده التامّ واقتداره على إصلاح ما أفسدته الغريزة وصنعته الأهواء، وفي الحالة العربية الراهنة بكُلِّ أخطائها وتراكمات هذه الأخطاء لا ملاذ ولا نجاة سوى بالعودة إلى العقل وإعطائه مقود القيادة ومفاتيح التفكير للخُروج من شبكة الأزمات وتداعياتها.
وأجزمُ أنَّ أوَّل ما سوف يتَّخذه العقل العربي من إجراءاتٍ بعد عودته إلى منطقة الاستخدام، هُو أن يُقنع كُلَّ الأطراف المأزومة، أنظمةً ومُعارضةً ومُتفرِّجين، أنَّ الحلَّ لن يكون إقليمياً وعلى مُستوى كُلِّ قُطر، بل لا بُدَّ أن يكون عربياً شاملاً، فالمأساة واحدةٌ ومصادر الخطر مُشتركة.
الأُستاذ عبدالعزيز شائف في «ذاكرة الزمن الجوَّال»
{ كثيرةٌ هي الوقائع والأحداث التي اختزنتها ذاكرة الصديق العزيز والزميل القديم عبدالعزيز شائف، هذا الجُندي المجهول والمعلوم في حياتنا، فهُو مجهولٌ بدوره النضالي، ومعلومٌ بدوره الإذاعي الذي يربطه يومياً بملايين المُستمعين، وفي كتابه «ذاكرة الزمن الجوَّال» مواقف وذكرياتٌ نحنُ أحوج ما نكون إلى إعادة قراءتها والتأمُّل في تداعياتها.
تحيَّة للزميل العزيز عبدالعزيز شائف، وفي انتظار المزيد من ذاكرة الزمن الجوَّال.

تأمُّلاتٌ شِعْرِيَّة :

في سردابك حيثُ اللَّيل
طويلٌ وطويلٌ وطويل
حاول أن تضحك
أن ترفض أن تبكي
هذا زمن اللاَّمعقولْ.
يا أنقى أصحابي
رُوحي تتوجَّع من أجلِك
والكلمات تُخاتلني
تهرب من بين أصابع أفكاري
حين تراكَ وقد أسلمكَ المجهولُ
إلى المجهولْ!!


*عن الثورة
د/عبدالعزيز المقالح

 
 

التعليقات على الخبر : لا يوجد حالياً تعليقات على الموضوع.
أضغط هنا لأضافة تعليقك.


إستضافة وتصميم: حلول تقنية متكاملة