بسم الله الرحمن الرحيم
اسمحوا لي ان ابدي وجهة نظري في هذه القضية ,, كونها قضية هامة تستحق النقاش ..
اولا وقبل كل شئ حتى تكون الامور كلها واضحة و حتى تكون الاسس التي يقوم عليها النقاش سليمة يجب ان نتفق اولا على اهمية التفريق بين مصطلحين هامين لمعرفة حدود القضية التي نناقشها .
المصطلحين هما الهجرة و الاغتراب . اي يجب ان نفرق بين المهاجر و المغترب.
بالنسبة للمغترب فقد سبق الاخ محمد البتول في بداية عرض هذه القضية بان الغربة تعني مفارقة الوطن .. و لكنها بالطبع لا تعني تغيير الوطن .. و انما تغيير الموطن .. فالمغترب يفارق وطنه لعدة اسباب سيتم التعرض لبعض منها لاحقا لفترة مؤقتة.. و لكنه يظل منتسبا و منتميا لبلده الاصلي .. و يجب ان يكون مشمولا في الخطط الاقتصادية التي تضعها حكومات وطنه الاصلي.
اما الهجرة فبحدوثها يكون تغيير الوطن .. و بالتالي لم يعد المهاجر محسوبا على وطنه الاصلي و لا يجب ان يكون مشمولا بخطط ذلك الوطن ..
الغرض من توضيح هذين المصطلحين لايضاح بعض اللبس الذي يحدثه ذكر تلك الاحصائية الصادرة عن وزارة المغتربين ... و التي ذكرت فيها بان اعداد المغتربين اليمنيين يفوق 6 مليون مغترب ( و الذي بالتاكيد يفوق عدد اليمنييين في سن الشباب من الذكور).
تلك الاحصائية اوضحت ان من بين اولئك ال 6 مليون مغترب اكثر من 5 مليون في (أندنوسيا، الهند، ماليزيا، سنغافورة، وبروناي) ... و من المعروف ان اولئك مهاجرين و ليسوا مغتربين .. و قد هاجروا قبل عشرات السنين .. و هم محسوبين على اوطانهم الجديدة .. و بالتالي ليسوا مغتربين ..
فكما اتذكر بانه حين اقيمت مبارة بين اليمن و اندونسيا قبل سنوات في اندونسيا .. تم تغيير مكان المباراة من العاصمة جاكرتا الى مدينة اخرى .. لان في جاكرتا وحدها ما يزيد عن مليوني اندونوسي من اصول يمنية .. و خافوا من ان يكون هناك بعض التعاطف الذي قد يؤدي الى شغب .. و لكنهم في النهاية اندونسيين و ليسوا يمنيين ..
اذا اولئك الدولة ليست معنية بهم .. اذا القضية تنحصر في المليون المتبقي .. و ان كانت كذلك احصائية غير دقيقة قد تزيد او تنقص ..
هنا يتضح انه يجب حصر النقاش على الاغتراب و ليس الهجرة .. و اسبابه و .. ,... لان ذلك فقط ما يعنينا هنا .. بحسب ما اوضحه و حصره الاخ محمد البتول في موضوعه .. بقضية المغتربين .. و ان كنا نريد التعرض للمهاجرين ايضا فيجب علينا اذا ان نتكلم عن مئات اليمنيين من المهاجرين و الذين انتسبوا الى بلدان اخرى عربية او اسلامية جراء هجرات اليمنيين قبل الاف السنين جراء انهدام سد مأرب.
بالنسبة للغربة او الاغتراب .. فهي قضية موجودة في كل الشعوب و ليست مقتصرة على شعوب او جنسيات معينة و محددة ..
اسباب الاغتراب :
1- البحث عن لقمة العيش .. جراء عدم امكانية الحصول في الموطن الاصلي .. بسبب الظروف الاقتادصية للبلد .. و هذا ما يحصل في اغلب بلدان العالم التي تعاني من هجرة مواطنيها (ان كان ذلك بالاصل يشكل معاناة) .. ففي اليمن في رأيي لا تمثل هذه الفئة اغلبية من اجمالي المغتربين اليمنيين .. و الدليل على ذلك .. بانه لو كان ذلك هو السبب الرئيسي .. لكانت اعداد المغتربين اليمنيين ايام الحكم الامامي في الشمال اضعاف اضعاف ما هي عليه الان .. فقد كانت الاغلبية الساحقة من شعب اليمن الشمالي انذاك تعاني من الفاقة و شظف العيش و لكنهم اكتفوا با يسد الرمق من عملهم في الزراعة ..
2- تحسين الوضع المعيشي .. و اعتقد ان هذا هو السبب الرئيسي .. و اعتقد كذلك بان هذه الفئة تمثل اغلبية المغتربين اليمنيين .. فهذه الفئة لم تعاني في الاصل من الفقر المدقع .. و لكنها وجدت فرصا افضل في بلدان اخرى تدر عليها مدخولا جيدا يضمن لها حياة كريمة (دخل يفوق الكفاية) ..
فنجد كثير من الشباب قد يكون في الاصل موظفا ... او مثلا يعمل في ارضه .. و في ذلك ما يغطي على الاقل المتطلبات الاساسية للعيش او تقل بقليل .. ولكنه يضحي براحته و بقربه من اهله .. و راحة باله على الاقل لوجوده بين اهله .. مقابل تحقيق دخل يضمن له معيشة افضل .. و هم غير ملامون بذلك او مخطئون .. فهذه غريزة بشرية موجودة في اغلب البشر .. و هذا هو سبب الاغتراب ايضا في اغلب بلدان العالم .. و الدولة ليست السبب الرئيسي في ذلك .. و لكنها الرغبة الداخلية في تحقيق مستوى معيشي افضل .. و لاضرب لكم مثال لذلك ... جمهورية المانيا الاتحادية :
من المعروف ان المانيا تمثل قبلة هامة لمواطني دول العالم الثالث للاغتراب او الهجرة .. انها من البلدان التي فيها مستوى دخل عالي ...
القانون في المانيا توفر دخل شهري يكفي للمتطلبات الاساسية لكل عاطل عن العمل او معاق او ما شابه ذلك .. و هذه الفئة هي ما يمنكن ان نسميها فئة الفقراء في المانيا .. مع انهم ليسوا كذلك ..
و تضمن ايضا مبلغ شهري لكل مولود و تتكفل باعباء كثيرة عن المواطن .. و مع ذلك ماذا نجد في المانيا ؟؟؟
افاد مكتب الاحصاءات في المانيا ان عدد المغادرين من الالمان للعمل في بلدان اخرى للعمل او ما شابه ذلك بلغ في عام 2006 (155,300) اغلبهم ذهب للعمل في سويسرا و امريكا و النمسا ؟
هل الدولة هي السبب الرئيسي في ذلك ؟؟؟
بل ستفاجؤن اذا علمتم بان اغلب اولئك ممن يعملون اصلا في المانيا .. اي لديهم دخل كافي .. و مع ذلك بمجرد ان يحصلوا على فرصة افضل .. غادروا البلاد مباشرة ..
هل تعلمون ان المستشار الالماني السابق شرودر بعد مغادرته للحكم اتجه للعمل في النمسا او سويسرا بعد ان حصل على فرصة عمل جيده هناك ... هل تعتقدون بانه يعاني من الفقر ,, او ان المستوى الاقتصادي في المانيا هو السبب؟
هل تعلمون ان هناك عدد كبير من الاطباء الالمان يذهب للعمل في بريطانيا .. لانه هناك سيحقق دخلا افضل ؟
مرة كنت اعمل في الاجازة .. و كان يعمل معي الماني يدرس في كلية الاقتصاد .. سالته ذات مرة عن خططه المستقبلية .. فاخد يعلن و يسب الحظ و يبدي تذمرا كبيرا من الجامعة التي ندرس فيها .. لماذا؟
قال بانه بدأ هذا السيمستر يردس في تخصص علاقات دولية .. بعد ان خطط له .. كونه كان في زيارة احدى المرات الى دولة فييتنام و هناك وجد ان فرص العمل ممتازة في هذا التخصص تضمن دخلا جيدا و بالذات لانه الماني و شهادته المانية .. و لكن لسوء حظه اعلنت الجامعة بانها ستغلق هذا التخصص .. و هو لا يستطيع مغادرة مدينتنا !!!
الانسان يبحث عن الاحسن و الافضل و هذه هي طبيعة الحياة .. فنجد مغتربين يمنيين قد حققوا دخلا يكفي لبقية الحياة و لكنهم ما زالوا مستمرين في الاغتراب ,,لانهم يطمحون الى افضل مما قد وصلوا اليه ..
3- اسباب سياسية او امنية .. و اعتقد بانه بالنسبة لليمنيين لا تمثل هذه النسبة جزء كبير من اجمالي المغتربين .. لسببين اولهما ان كثيرا منهم قد حملوا جنسيات الدول التي رحلوا اليها و بالتالي تحول وضعهم الى مهاجرين ,, و ثانيهما ان العفو العام الذي شمل اليمنيين عقب حرب 1994 تسبب في عودة كثر منهم .. و كذا الانفتاح السياسي الاخير في اليمن و التطورات و النمو في الملحوظ في الديمقراطية في اليمن .. جعل من حجة البعض منهم .. القائلة بانهم مطلوبون جراء ارائهم .. و اهية ..
خلاصة القول .. فانا اعتبر الدولة مسؤلة مسؤلية كاملة عن الفئة الاولى فقط من المغتربين .. و و الذين يجب عليها ان تضمن لهم على الاقل الحد الادني من ضرورات الحياة ,,, ليعودوا و يعيشوا بين ضهراني اهاليهم ,, و من لم يقتنع منهم بالحد الادنى ,, فالدولة ليست مسؤلة عن اغترابه .. و لا يمكن ان يوجد حل لذلك .. لان تلك طبيعة بشرية لا يمكن ان تحل .. الا ان تضمن الدولة للجميع نفس مستوى معيشة الخليجيين .. و ذلك لن يتيسر الا ان انتجنا عشرة مليون برميل نفط يوميا بدلا عن المائتين الف
برميل حاليا ,, او (و هذا مستحيل) ان وجدت كعبة اخرى في اليمن ..
و في الاخير اتمنى الا اكون قد توهتكم جميعا كسابق عهدي في كلامي ..
شاكرا لعميد الديوان الاخ محمد البتول طرحه لمثل هذا الموضوع الهام للنقاش ..
و تحياتي الحارة لكم جميعا و اخص بالذكر اعضاء ديواننا الحبيب
و تقبلوا تحياتي