| | ![]() | ![]() | |
| الدليل السياحي | ألبوم الصور | الموسوعة الخضراء | الخضراء نيوز | |||
|
| جديد المواضيع: | ||||||||||||
| |||||||||||||
| |||||||||||||
| | #2 | ||||||
|
| ||||||
|
| | #3 | ||||||
| الفصل الثاني: نشأة النشيد الإسلامي المعاصر تعود بدايات هذا النشيد إلى الستينات الميلادية، والتي كانت مركّزة بشكل كبير على المديح النبوي بشكليه المعتدل والمغالي أحياناً، وكانت المدرستان المصرية والشامية في الصدارة. كما أن النشيد بقيمه الدعوية والتربوية والبطولية كان في نفس الفترة ومن كلا المدرستين، إلا أن المدرسة الشامية على وجه الخصوص تميز رموزها بفكرهم الدعوي، وانتخابهم للقصائد المعبرة عن هذا المنحى. ففي مصر برز نجم النقشبندي والطوبار وطه الفشني، وكان هؤلاء المنشدون يخلطون ما بين النشيد الديني العام والنشيد الدعوي بوجه خاص. وأما في الشام فقد ظهر في الصدارة كل من (أبو مازن، أبو الجود، الترمذي، أبو دجانة، أبو راتب) على الترتيب. وكنت في بلاد الشام في بداية الثمانينات آنس كثيراً إلى سماع هذه الكوكبة المتألقة من منشدي الدعوة، والذين كانت أناشيدهم تمثل اللون الحقيقي لمسيرة النشيد كلماتٍ، وألحاناً، وصوتاً، وغايةً، مع بريق من روح الإخلاص لا يخفى على من خالطهم، وعرف ما يتعرضون له من تحدٍّ وإغراء. نحسبهم كذلك، والله حسيبهم. وبرقت أناشيد "أبو مازن" فترة طويلة لدى المحبين والمتابعين، إلاَّ أن أشرطة الإخوة الثلاث: أبو مازن، وأبو الجود، وأبو راتب كانت أسهل في الحركة والانتشار، بل كان يسمع لها الجيل عبر إذاعة صوت بغداد منذ تلك الفترة! ومما ساهم في الحفاظ على قوة الأنشودة وضمان استمراريتها اهتمام كبار الشعراء بها، ومشاركتهم المنشدين بالكتابة والتقويم، ويأتي في صدارة هؤلاء كل من الشعراء الكبار: يوسف العظم، وسليم زنجير، وعبدالله السلامة، ونذير كتبي، والذين ساندوا الحركة الإنشادية في تلك الفترة، إضافة إلى جملة من كبار الشعراء الذين خدموا المنشدين بأشعارهم القوية، وإن لم يكن بشكل مباشر، أمثال (محمد إقبال، وليد الأعظمي، محمود صيام، الشيخ يوسف القرضاوي، الأميري، يحيى الحاج يحيى، محمد عيسى سلامة، مأمون جرار، يوسف النتشة ...). ولأستاذنا الفاضل: سليم زنجير، معاصرة وتقويم لانطلاقة الأنشودة الإسلامية في الستينيات يخبرنا عنها بقوله: "أما المنشدون المجددون فأبرزهم الشيخ أحمد بربور، وأبو مازن وأبو الجود، والترمذي، وصبري مدلّل، ثم أبو دجانة، وهؤلاء هم الرعيل الأول، على اختلاف فيما بينهم في مستوى التجديد، ولكن أبا الجود يبقى أحد أبرز هؤلاء؛ لما أتيح له من قوة الموهبة في الصوت والأداء والألحان، وهو الوحيد الذي تيسر له شاعر إلى جنبه في الفرقة. ويمكن إضافة الأخ أبي راتب في آخر السلسلة من حيث الزمن طبعاً، أما الإبداع فشأن آخر، إلا أن فضل هذا المنشد يعود إلى أنه حمل الراية وحده لعقد كامل، ويمثل بمفرده الجيل الثاني من المنشدين، ثم دخل الجيل الثالث والرابع، وانتشر هذا الفن وعم، وصار له مبدعوه في الأردن وسوريا ودول الخليج وغيرها. يمكن الإشارة أيضاً، إلى أن أناشيد الدعوة شاعت فيها الحماسة؛ من أجل شد أزر الأمة وشبابها؛ لمواجهة التحديات، وإعادة مجد الإسلام، كما كثر التوجع من جهة ثانية، والندب والرثاء؛ لما يتعرض له المسلمون من مصائب ونوائب على أيدي أعدائهم في كل مكان ومن كل لون. وأعتقد أن هذه المرحلة طالت أكثر من اللازم، وأصبح مطلوباً منا أن ننطلق خطوة إلى الأمام نحو الأناشيد الإسلامية الإنسانية، بآفاقها المتعددة الرحبة... هذا ما حاولنا عمله في إصدارات شركة (سنا) للكبار والصغار". إذاً فقدم السبق كان للمدرسة الشامية بلا منازع، وذلك من جميع الجهات: الكلمات، والألحان، والأصوات. والحقيقة أن الأنشودة الخليجية لم تبتعد كثيراً من ناحية الزمن، خاصة مع الانفتاح السريع للدعوة، فكانت بدايات أناشيد الكويت في أواخر السبعينات، وأناشيد البحرين في أوائل الثمانينات الميلادية. وكان لهذه الأناشيد الأثر البالغ في تنشيط الصحوة الإسلامية، واسترداد عافية الفضيلة، كما وكان لهذه الأناشيد نغمها الخاص الساحر، لسرعة الإيقاع، وتجديد الألحان، وتنوع القصائد المختارة. ولا شك أن الفضل يعود بعد فضل الله، للعملاقين الخليجيين الكبيرين، الدكتور: سامي قنبر، والأستاذ الفاضل: جاسم هجرس، والذين لم يزالا إلى هذه اللحظة روّاداً لمدرسة استطاعت الصمود مع التجديد والتنوع بين مدارس الإنشاد، ولعل هذا ببركة إخلاص مؤسسيها إن شاء الله تعالى. ولاقتراب البحرين من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية انتقلت لمسات الإبداع وصناعة التميّز؛ لتظهر أناشيد التجديد الحقيقي، والتي قفزت بالأنشودة مراحل كبيرة من التأثير في شرائح المجتمع، فشرّقت تلك الأناشيد وغرّبت ولم تزل، وهي أناشيد الدمام (1، 2)، بأداء أخي الحبيب الشيخ القارئ: سعد الغامدي و الأخ الفاضل: ماجد العثمان. وظل رنين أناشيد (غرباء، ربا حطين، مؤامرة، الهجرة، أيا مركز النور) هو المسيطر على الساحة، خاصة مع بدايات حركة الصحوة في المراكز الصيفية، ولجان التوعية الإسلامية في المدارس، ما بين عام (1405- 1409هـ). وما بين هاتين الفترتين كانت الأنشودة الكويتية في تطور مستمر، وساند في هذا التطور إمكانيات مهندسي الصوت الكبار، وفي مقدمتهم المهندس: عمران البني، والذي كان في الصدارة، وأخواه من بعده، عمار وعاصم البني. ولهذه العائلة جهود مباركة متقدمة في خدمة النشيد الإسلامي ينبغي الإشادة بها وتكريمها. وفي نفس الفترة كانت إبداعات أشرطة الرابطة بقيادة العمالقة: أبو أنس، وأبو الحسن. وكذلك أشرطة الفجر بقيادة: نزار أبو الفدا، وسلسلة أشرطة صلاح الدين بقيادة: أبو عاصم. فقد كان لهذه الأشرطة انتشار كبير جداً. ويعتبر إصدار (ثوار) من اللمسات الإبداعية في تلك الفترة. كما كان لأناشيد الشفا، وأناشيد المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود بجدة، دورها وأثرها في تنوع وسائل الدعوة للجيل الناشئ من الصحوة، خاصة في المدارس، والتي كنا نستمع لها في الطابور الصباحي وفترة الإفطار. ومع أناشيد الدعوة والحماسة كانت أناشيد الطفولة الرائعة كإصدارات: شدو البيادر، الوردة الحمراء والصفراء، وغيرها من أناشيد الأطفال، والتي كانت تحمل قيماً ومعاني في غاية الروعة والجمال، مع حسن الأداء والألحان. ثم تأتي النقلة الفاصلة في تاريخ الأنشودة وذلك في عام 1409هـ، مع ظهور أشرطة (نداء وحداء)، والتي تميزت بالألحان الجديدة، الجامعة بين المدرسة الشامية الهادئة الإيقاع، والخليجية السريعة، مع تنوع نسبي في المواضيع، إلا أنها لم تبتعد كثيراً عن قضايا الأمة، وهموم شباب الصحوة ونشاطاتهم. وقد خضت تجربة هذه المرحلة إبَّان بدايات أناشيد (نداء وحداء)، والتي فيها من القصص والطرف ما يحلو ذكره في هذا الموضع: ففي عام 1408هـ، بدأ تسجيل أناشيد (نداء وحداء)، والتي كان يتزعمها الأخوان الفاضلان: الشاعر: عبدالله الشهري، والمهندس: عيضة باكور، وبدعم الأستاذ الكبير: زياد البسام. وكانت البداية في مركز جامعة الإمام محمد بن سعود، والذي كان مقره بثانوية الثغر بجدة، ولم تكن هناك طريقة لاختيار المنشدين أو المردِّدين(الكورال)، إنما كان الأمر بالسؤال لمن له رغبة في الإنشاد؛ ولأنّ هذا الأمر كان في بداياته لم يتطوع إلا أفرادٌ يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، وبتشجيع من مسؤولي أسر المركز آنذاك. ثم استمر الاختيار والتشجيع إلى أن وصل العدد إلى عشرة، إلا أنهم كانوا يختفون أياماً ويظهرون يوماً! ومن الطُّرف المتعلقة ببدايات إصدار الشريط الأول لـ(نداء وحداء) أن أخي: لطفي باكوبن، والذي أنشد (بإيماني) كان يلاحقني بين ممرات المركز الصيفي؛ لأشارك في الأداء مع المنشدين، وكنت دائم التهرب، إلى أن قابلني في الممر، وسألني عن عدم الحضور، فاعتذرت بعدم الاستطاعة، وبينما نحن في هذا الحوار، قدم علينا المهندس: عيضة باكور، فشكاني أخي لطفي إليه، فأخذنا جميعاً إلى المصلَّى!! وللمصلَّى قصة، إذ إنه المكان الذي تُسجل فيه الأناشيد، فإذا ما تدرب المنشدون على القصيدة التي سيؤدونها، يقوم أحدنا فيغلق جهاز التكييف، ونحن في شدَّة الحر، ويُوضع (الميكرفون) في الوسط، وننشد ونحن جالسون في شكل حلقة دائرية! وسبب إغلاق (المكيف) هو: ألاَّ يظهر صوته في التسجيل! ومن الطرائف أنه إذا حان وقت (العَشاء) قام أحد المنشدين ودار (بطاقيته) ليضع كل واحد منَّا ما تيسر من المال، فكُنا ندفع ولا نأخذ! ومن الطرائف أن أنشودة (بعزمنا وجدنا) التي شاركت فيها مع أخي الشاعر الدكتور: عادل باناعمة، استغرقت فترة طويلة؛ لأن العدد كان أربعة فقط، و(نَفَس) كل واحد منا مختلف، ومسؤول الفرقة يريد منا نحن الأربعة أن نقول كلمة (بعزمنا) بمد واحد، وهذا كان صعباً للغاية!! ولكن، ومع هذه المواقف والطرف والعقبات كتب الله القبول لهذه الأشرطة، التي أحسن فيها أساتذة المركز، والإخوة المنشدون، وتكاملت فيها جهود الجميع كمشاركة أخي الخطاط المبدع الأستاذ: عبدالله الزهراني، والداعم المحسن الأستاذ: زياد البسام. والحقيقة أنني كنت أحسب نفسي محسوداً على هذه النعمة أو البلية في المشاركة في الفرقة كرهاً، إلى أن قرأت عن أستاذنا سليم عبدالقادر ما حصل له عندما وصف حاله لحظة مشاركته في بعض حفلات الزفاف الإسلامية فكانت النتيجة هي نفس ما حصل لي عندما عبر عن قصته بقوله: "فكنت - وبعض الأصدقاء - نؤدي بعض الأناشيد للتسلية، حتى حُسِبنا على المنشدين ولسنا منهم، وراحت الطلبات تنهال علينا لإحياء ليالي الأعراس والحفلات المسجدية، وكنا نلبي الدعوة على استحياء وخجل، حتى غدونا منشدين بالإكراه، فصدق أو لا تصدق!". واستمر أداء فرقة (نداء وحداء) العريقة سنوات عدّة تحتل الصدارة، إلى أن جاءتها ريح عاصف، وجاءها الموج من كل مكان، ولكنّ الله سلَّم، فلم يختفِ الاسم، وبقيت المحاولات مستمرة، واستردت عافيتها من جديد بجهود مخلصة صادقة، ولكنها بحاجة إلى جهد كبير، وتخطيط جديد، ودماء جديدة، على جميع الأصعدة؛ لأن المليء فقط هو سيد الساحة اليوم. وبعدَ (نداء وحداء) لم تزل الريادة الأولى للأشرطة الكويتية المتنوعة، والتي لم تختفِ حتى في فترة (احتلال الكويت). وفي هذه الفترة برزت فرق إنشادية أصيلة في الأردن، ركزت على قضية فلسطين على وجه الخصوص، وقضايا الأمة على وجه العموم. كما كان لبعض المنشدين في الجزيرة دورهم المؤثر: كمحمد المساعد، وأبو عبدالملك، وأبو علي، وكان أصداء أناشيد قوية في ساحة الوطن العربي. ولقصائد الدكتور: عبدالرحمن العشماوي نصيب من الاهتمام، وأدائها بأعذب الأصوات، وأجمل الألحان. كما كان للنشيد في اليمن صولة وجولة، فقد تبنّت المعاهد العلمية فن النشيد ودعمته في مدارسها المنتشرة في أنحاء اليمن السعيد، وخصصت له الأساتذة والمدربين واستضافت المنشدين ليشاركوا في نهضة الفن الإسلامي، وبرزت من خلال ذلك فرق النشيد، وظهر المبدعون ذوي الأصوات الجميلة. ثم جاءت حركة تجديدية، ودماء شبابية جديدة، وباعتماد على شيء من الأصالة والمهنية، في كل من: الإمارات والسعودية والأردن ومصر والكويت والبحرين والجزائر، إضافة إلى جملة من المنشدين القلائل في دول متفرقة. واستمرَّ العطاء والتجديد، والإبداع والمنافسة، مع التطور والاستفادة. وأما عن المهرجانات الإنشادية: فقد انتقلت الأنشودة من التسجيل الصوتي (الكاسيت) إلى المسرح، وذلك في أول مهرجان للأنشودة الإسلامية بشكل فني وتقني ومهني مدروس، وبمشاركة منشدين الشام والأردن على مسرح الجامعة الأردنية، برعاية النادي الأدبي فيها وبإشراف المنشد: أبو راتب والكاتب: ماهر أبو الحمص والفنان: هاشم كفاوين، وبذلك رسخت فكرة مهرجانات الأنشودة بعد هذه الانطلاقة، ومن ثم انتشرت المهرجانات بمختلف المسميات والأشكال والمناسبات في جميع الأقطار. ثم جاءت المرحلة المؤسسية، مع انطلاقات الفرق الإنشادية المتميزة، وبعض المنشدين المحترفين، وظهور الشركات الصوتية الفنية العالية الجودة، ومع انطلاقة رابطة الفن الإسلامي العالمية، التي ولأول مرة جمعت في المنطقة الخليجية كبار المنشدين من كل أنحاء العالم، وعقدت المؤتمرات العلمية، وأصّلت من الناحية الشرعية العمل الإنشادي والفني وما يحيط به، وساهمت في تشجيع الجادين والعاملين من خلال جائزتها العالمية الكبرى (جائزة الشباب العالمية لخدمة العمل الإسلامي)، وطبعت الكتب والدوريات ورَعَتْ الدورات الخاصة بهذا المجال. ونحن الآن في هذه الفترة أمام تيار هادر من الأناشيد الإسلامية، والتي استقبلتها كبار القنوات الفضائية، بل وأنشئت عدة قنوات تختص بالفن الإسلامي عموماً والنشيد خصوصاً. وهذا أمر حسن، إلا أن ضبط وتطوير هذا المجال يحتاج إلى حديث مستفيض، وندوات عدّة، أجمل الحديث عنها في الفصل المعنون بـ"ضوابط النشيد الإسلامي".
| ||||||
|
| | #4 | ||||||
| الفصل الثالث: أثر النشيد الإسلامي المبحث الأول: أثر النشيد الإسلامي في الساحة: النشيد في أصله كلام، إلا أنه يحمل في طياته معانيَ إضافية من خلال اللحن، أو المؤثرات المصاحبة، وهو بهذا اللون تناغم مع الفطرة البشرية، وتحريك لكوامن الذات. وكلما كانت الكلمات نافعة جميلة، كان صداها في أعماق النفس أدعى لتعميق المشاعر الفاضلة من الرشد والخير والاستقامة. والنشيد الإسلامي في أول بداياته كان سماعه محصوراً في جيل الصحوة، وكان يميل إلى إيقاظ الأمة واستنهاضها نحو أداء رسالتها، مع وجود بعض الأناشيد الروحية التي كانت شبه مقصورة على المديح النبوي، ولعل السبب في ذلك هو مكان انطلاق الحركة الإنشادية من بلاد الشام عموماً، والمديح النبوي من مصر خصوصاً. ثم إن أشرطة النسخ والإنتاج في بداية الثمانينات الميلادي كانت ضعيفة، ووسائل الإعلام الإسلامية شبه معدومة، ووسائل التواصل الإعلامي المعاصر غير متاحة. فاقتصر سماع النشيد الإسلامي على جيل الصحوة، والذي كان يتبادل تلك الأشرطة بكل شغف واحتفاء. وأذكر في بداية الثمانينات الميلادي ما كان يكرمنا به في بلاد الشام أحد الجيران الفضلاء من أناشيد الأستاذين القديرين والأخوين الكريمين: محمد أبو الجود، ومحمد أبو راتب. واستمر هذا الأمر حتى بداية التسعينيات الميلادية، فشارك الخليج العربي أشقَّاءه في بلاد الشام ومصر، فبدأت أناشيد الكويت والبحرين، ثم الشفاء والدمام، وبدأ تداولها بشكل جيد، وحفظ الجيل تلك الأناشيد. كما ساهم الانفتاح الصحوي المؤسسي الخليجي المبكر مع دعم العلماء والدعاة الكبار في نشر هذه الأشرطة، وزيادة عدد السامعين لها، حيث صار نسخها سهلاً، وبالتالي صار من الميسور سماعها في البيوت والسيارات، مما ضاعف حجم السامعين. ثم بدأت أناشيد (نداء وحداء) بقيادة أخي الشاعر الكبير: عبدالله الشهري، والذي جدد في أسلوب النشيد الإسلامي (كتابة وألحاناً وصوتاً وإخراجاً)، حيث تنوعت كلمات الإنشاد، وتجددت الألحان، وكُتبت الكلمات بدقة وعناية، وبأسلوب مشوق يناسب إيقاع الأنشودة، مع جودة في التسجيل والإخراج. ومما ينبغي أن يُسَّجل هنا أن تبني أساتذة المدارس، والمساجد، لهذه الأناشيد ضاعف من حجم شرائها وسماعها للطلاب في المدارس، والبيوت. ثم كانت النقلة التأثيرية الأخرى مع أناشيد الإخوة الكويتيين على وجه الخصوص، والذين وجدوا من يعتني بأناشيدهم من الناحية الفنية، مع دافعية جيدة من أنفسهم؛ ليجددوا في الألحان، ونوعية الكلمات، التي شاركت جيل الصحوة في كثير من قضاياه وهمومه المتنوعة. ومع هذه الرعاية وتلك العناية بالنشيد من قبل المهتمين به، وإدراكهم لأثر النشيد ودوره في حركة المجتمع المسلم كله، فإنه كان قاصراً نوعاً ما في مفهوم الشمول. ثم بدأت نقلة أخرى من خلال الأناشيد الموجهة للأطفال ، والأخرى الموجهة للأعراس، خاصة مع الوعي الديني لعامة الناس، وانتشار الفتاوى المحرمة للغناء الماجن، مما فسح المجال لتلك الأناشيد بالانتشار داخل البيوت بكل سهولة، وسَمِعَ الناس وربما لأول مرة، كيف يمكن للأنشودة الهادفة الموجهة للصغار أن تريحهم وتطربهم. ثم جاءت المرحلة الحالية والمتمثلة في وعي المهتمين بالنشيد الإسلامي للعمل المؤسسي الفني، فأقيمت الدورات التدريبية، وانطلقت المهرجانات الإنشادية المهرجانية، وسجلت الأشرطة بأفضل الطرق، بدعم مادي، وتأصيل شرعي منهجي، من خلال الفتاوى والمقالات والندوات والمؤتمرات، وخاصة مع انفتاح وسائل الاتصال، وتطور وسائل التسجيل. وهذا كله جعل للنشيد الإسلامي القدرة على التواجد والحضور القوي، وساند هذا بشكل مهم وجوهري تواجد كبار المنشدين والمؤازرين للعمل الخيري وراء حركة النشيد، التي كان لها دورها في خروج المهرجانات الإنشادية الراقية والمنافسة للغناء، وأصبحتَ تَسْمعُ وترى ما كنتَ تحلم به، من إتقان في الأداء، مع روعة في الديكور، إلى تنظيم باهر في المكان، مروراً بالمشوقات والمؤثرات، وهذا كله ليس بمنأى عن حسن اختيار الكلمات والألحان. وهذا الجو فرض نفسه على مؤسسات الإنتاج وقنوات الفضاء، وصار للنشيد كلمته ومنافسته وحضوره. ولعلي أضرب لهذا التأثير مثلاً: ففي المهرجان الثقافي الإنشادي الخامس بمدينة جدة - اضطرت إدارة المهرجان لإغلاق المسرح الذي يتسع لـ(1000) مقعد للرجال و(600) للنساء، قبل البداية بساعة تقريباً، مما اضطر إدارة الأمن والدفاع المدني للتواجد لإبعاد الجمهور الغفير خارج صالات المسرح وإقناعهم بالبعد عن المكان. وفي دول المغرب العربي الرائع حضور كثيف بعشرات الآلاف. وأيم الله لو فتح الباب الرسمي لأرباب النشيد الإسلامي خصوصاً، والفن الهادف عموماً لخرج أرباب الغناء مفاليس، ولكن المنشدين لا أكتاف تساندهم! ثم تأتي الحقيقة الكبرى في اختراق الأنشودة الهادفة قنوات الموسيقى الهابطة، من خلال أداءٍ رائع، وأسلوبٍ عصري بديع، واستخدامٍ لكل الوسائل الفنية الراقية، مع التخصص والجودة. وهذا ما لاحظناه في أداء عدد من المنشدين المتألقين -مع بعض الملحوظات- بدءاً من الأخ: سامي يوسف، مروراً بعدد من الإخوة المنشدين ومنهم: موسى مصطفى، ومشاري العرّادة، ويحيى حوّا، ...وغيرهم، ثم بدأ الالتفات من كبار المنشدين للمشاركة في هذا اللون الجديد من أمثال إخواني: الأستاذ: محمد أبو راتب، والأستاذ: محمد أبو الجود، وغيرهم. ولا ضير في هذا التأخير، فالكل يعمل خدمة للإسلام، وقد قدّم الجيل الأول للمتأخر ما يناسبه، وبادر جيل المنشدين اليوم بما فُتح لهم فاستفادوا وأتقنوا. ففي الإحصائيات: أن الفيديو المصور "الفيديو كليب" (المعلم) للأخ: سامي يوسف، كان يُعرض بداية نزوله أكثر من 20 مرة في اليوم على بعض القنوات الغنائية، وبرغبة الجمهور، وهذا دليل على التنافس المطلوب، مع يقيننا بوجود بعض الملحوظات. وهناك نماذج أخرى تفصح عن قوة منافسة النشيد الإسلامي في القنوات الهابطة فضلاً عن غيرها. هذه نظرة عامة لأثر النشيد الذي فرض نفسه -والحمد لله- ورجع ليكون ويقول: إنه الأصل لا البديل، وإنه قادر على التواجد في الساحة، والتأثير الحقيقي نحو هداية الإنسان وتلبية احتياجاته الروحية والنفسية. وإننا لنرجو أن يستمر هذا التأثير الفني الهادف مع التجديد، مع ملاحظة وتقويم ما يمكن أن يخلّ بمسيرته. ولعل رابطة الفن الإسلامي العالمية تكون النواة لهذا التقويم والتسديد للمسيرة الفنية الإنشادية -إن شاء الله-. ولتحقيق هذا الأمر، سنتناول في المبحث القادم ما يمكن أن تقدمه الرابطة بشكل عملي فعّال في هذه القضية. المبحث الثاني :الفن الإسلامي في تشكيل هوية المسلمين لكلمة التي تنهل من معين عظيم، والمتألقة في مضمونها، المتسامية في غاياتها، سواءٌ دوَّى بها خطيبٌ من الخطباء، أو محاضر من الأفذاذ، أو مربٍ من الصالحين لها أثرها الساحر في النفوس. وهذه الكلمة عندما تتجمل باللحن الذي يزينها، أو يحركها، أو يحزنها فإنك ترى للكلمة تأثير آخر، يدفعها إلى قلب المستمع دفعةً حكيمةً، تسعى به إلى الالتزام، وتحسين الحال الذي هو فيه. وعندما تطل تلك الكلمات الجميلة بأداء صوت شجي فللكلمة بعد آخر. وكم لأرباب الإنشاد الإسلامي من دور رائد في تصحيح القيم وإصلاح النفوس والتكامل لتشكيل هوية المسلم. يخبرنا عن عمق هذه المعاني من خلال تجربته الطويلة أخي الأستاذ القدير: أبو الجود، بقوله : "وإني على يقين لو أن أصحاب المواهب بكافة اختصاصاتهم توجهوا لبناء الأمة وبناء الإنسان لرأيت عجباً. نعم رأيت عجباً فلا تكاد ترى طفلاً إلا يتألق بابتسامته الطاهرة. نعم رأيت عجباً فلا تكاد ترى فتاة إلا تتسامى في نقائها وعفتها. نعم رأيت عجباً فلا تكاد ترى أسرة إلا وتتباهى في أولادها المتفوقين. نعم رأيت عجباً فلا تكاد ترى أمة إلا ساهرة ومتطلعة إلى الفرقد العالي". بل أقول: إن غاية العجب في دور الفن نحو تشكيل هوية المسلمين، وتشييد حضارتهم، ولا أدلَّ على هذا المعنى مما حصل في الربع الأخير من الخلافة الإسلامية العثمانية، عندما دبَّ فيها الوهن والضعف بسبب اختراق العلمانيين القدامى لقلوب الناس، وتغلغلهم في نفوس بعض الباقين من الغيارى على الدين، وذلك من خلال إنشائهم المسارح الفنية، وإقامة الحفلات التي يُغّنى فيها بالموشحات الأندلسية، المصبوغة بصبغة الدين ليتقبلها الناس تدريجياً! ومن هنا بدأت الفكرة وتطورت حتى صارت جزءاً من حياة الناس، ولوناً من ألوان ثقافتهم، ومعياراً من معايير نهضتهم! إلى أن كُسر الباب، وأصبح صوت كوكبة الشرق التعبير الكامن لآلام وآمال الشعوب! إن أثر الفن بصوره المختلفة في وجدان الأمة، وفي تشكيل عقول أفرادها بسلبياته وإيجابياته لهو من مُسَلمَّات التاريخ في تحديد بوصلته نحو التقدم أو التخلف. لذا كان الحديث عن أحكام الفن المعاصر من أهم المواضيع الحساسة والمؤثرة.
| ||||||
|
| | #5 | ||||||
| الفصل الرابع: أحكام النشيد الإسلامي المعاصر تمهيد: من المهم التأكيد على أن الأحكام الفقهية المتعلقة بالفن الإسلامي تتجاذبها أقوال عدة، مختلفة اختلافاً كبيراً، حالها كحال كثير من مسائل الفقه الإسلامي. إلاَّ أن الخطورة في هذا الموضوع تكمن في تأثيره على تشكيل العقل المسلم، ومن ثمَّ المنظومة الإنسانية تجاه تطبيقها لمنهج الإسلام في واقع الحياة. فقد تُحرر الأقوال في هذا الباب وتُرشَّدُ المسيرة الفنية الإسلامية فتكون الثورة! وقد يُضيَّقُ عليها فتساهم في رقدة الأمة، وتفتيت بنيتها، وانحيازها لغير هدى الله. وذلك أن الفن الراقي محببٌ للنفس، وداعٍ للخير، وأحد عوامل التنشيط أو التخدير لفكر الأمة. والذين لا يريدون الالتفات لهذا الباب في مسائل التربية أو مسائل الفقه فلن يسهموا في تقويم المسيرة التي تآكلت من عدة جوانب، فكادت أن تسقط! وإن مما يُحمد للفقه الإسلامي اتساعه ومرونته لمناقشة وبيان كل المسائل المتعلقة بحياة الإنسان. فإذا لم يعب أحد على الفقهاء مناقشتهم لكثير من الفروع الفقهية المتعلقة بأمور مفترضة يُحتمل وجودها في مستقبل الزمان، وهي لا تؤثر على عبادات أو سلوك المسلم بشكل كبير، فهل يَعيبُ أحدٌ على فقهاء العصر، مناقشتهم لفروع المسائل الفنية المؤثرة على عقول وفكر وسلوك وعبادة الأمة بأسرها في زمن الفضائيات المفتوحة؟! إن كل فقيه أصيل منصف يجب عليه الاهتمام بحاجات أمته، وأن يلامس همومها، وأن يبصّرها بما تمليه الشريعة عليهم، ويؤدبهم بأدب الإسلام. إن كثيراً من المعاني الأصيلة، والقيم السامية التي تتشربها النفوس السليمة الطيبة، غُيِّبت وللأسف بسبب الافتئات على برامج الفن الإسلامي الأصيل. وما كان هذا الافتئات إلا من قوم لم يعيشوا في ظلال الإسلام الشامل الراقي الملامس لكل حاجات النفس البشرية. ولم يكن لهم أي صلة بتراث السيرة المشرق، ولا لهم عبرة بتاريخ الأمم! لذلك وجب على العلماء تأصيل مسائل الفن، وأن يعينوا العائدين إلى الله، الراغبين في خدمة دينهم بمنهج الشرع المطهر، وأن لا يتركوهم لقوارع الدهر، وفتن المترفين العابثين. وسيرى القارئ أن المنهجية في طرح هذه المسائل هي: 1- إجمال الآراء للمسائل التي عرض لها الفقهاء الأقدمون بكل أمانة، والمفصلة في كتبهم. 2- الاجتهاد في توضيح حقيقة الآلات المعاصرة، بعد التتبع والمشاهدة. 3- ذكر الأحاديث الثابتة فقط، والتي يمكن الاستناد إليها أثناء المناقشة والحكم. 4- عرض لخلاصة المناقشة الطويلة والمستفيضة للعلماء الكبار من أنحاء العالم الإسلامي بأسره، وفي كل ملتقى أو مجلس فقهي جامع، للخروج برأي اجتهادي لا فردي. علماً أن ما أثبتّه من رأي لا يعني عدم الاعتراض عليه، فالمسائل المعاصرة تحتاج لنظر واجتهاد جديد، وللمجتهد المصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد. راجياً من الله القبول والسداد. والآن نأتي لبيان وتوضيح هذه الأحكام المتعلقة بالنشيد الإسلامي عموماً والمعاصر خصوصاً. المبحث الأول: الأحكام المتعلقة بالنشيد الإسلامي: 1- ضرب الدف وسماعه للنساء: هناك اتفاق عند علماء المسلمين على جواز ضرب الدف وسماعه للنساء، وهناك خلاف في أوقات ضربه وسماعه. الرأي الأول: يرى بعض الفقهاء أن الضرب والسماع لا يكون إلا في مناسبة زواج، أو مناسبة عيد فقط. بل وشدد بعضهم على أنه لا يضرب الدف في يوم الزواج للنساء إلا في وقت خروج المرأة للنساء، أي: لدقائق محددة. والرأي الثاني: وهو جواز ضرب وسماع النساء للدف في المناسبات المذكورة آنفاً وفي غيرها ومن غير تحديد سبب أو وقت محدد؛ لأن الأصل في ضرب الدف وسماعه للنساء الإباحة، وليس المناسبة كما يقول أصحاب الرأي الأول. والراجح - والله أعلم -: هو القول الثاني، لورود أدلة وشواهد كثيرة في ضرب وسماع النساء للدف في المناسبات المنصوص عليها سابقاً وفي غيرها. ومن هذه الشواهد: عن السائب بن يزيد رضي الله عنه : "أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عائشة أتعرفين هذه؟ قالت: لا، يا نبي الله، قال: هذه قينة - أي مغنية - فلان تحبين أن تغنيكِ؟ قالت: نعم، قال: فأعطاها طبق، فغنتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد نفخ الشيطان في منخريها". [رواه أحمد (3/449) بسند صحيح]. وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنه، قال: "أنْكَحَت عائشةُ ذات قرابة لها رجلاً من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أهديتم الفتاة؟، قالوا: نعم، قال: أرسلتم معها من يغني؟، قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأنصار قومٌ فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم".[رواه ابن ماجه برقم: 1900 وهو حديث حسن بشواهده]. 2- ضرب الدف وسماعه للرجال: وفي هذه المسألة خلاف كذلك. فالرأي الأول: يرى أصحابه عدم جواز الضرب أو سماعه للرجال، محتجين بعدم وجود أدلة تبيح ذلك، وأن ما ورد من سماع النبي صلى الله عليه وسلم للدف هو من خصوصياته. أو كان الإذن به في مناسبات خاصة كقدوم غائب. [انظر: المدونة الكبرى لابن القاسم (11/421) - المهذب للشيرازي (2/327) - الروض المربع للبهوتي (3/124)]. الرأي الثاني: وهو الجواز. [انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/1025) - روض الطالبين للنووي (11/228) - المحلى لابن حزم (9/62)]. واستدل أصحاب هذا الرأي على جواز سماع الدف بما ثبت من سماعه صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ومن هذا الاستدلال: عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنتِ نذرت فاضربي وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٌ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالس وهي تضرب، ودخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي ٌ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف". [أخرجه الترمذي برقم: 3691 وقال: حديث حسن صحيح]. وكذلك سماعه صلى الله عليه وسلم لصوت الدف في يوم العيد، حيث كانت الخيام متقاربة، وقد استنكر أبو بكر رفع صوت الدف من النساء، ومع ذلك أقر النبي صلى الله عليه وسلم ما صدر من السماع. فقال صلى الله عليه وسلم: "دعهما يا أبا بكر". [رواه البخاري برقم: 3716]. وسيأتي بيان تفصيل الحديث في مبحث: الرقص المصاحب للإنشاد للرجال. والرسول صلى الله عليه وسلم قدوة ومشرّع للأمة. وأما ضرب الرجال للدف، فإن الأصل عند أصحاب هذا الرأي في الأمور الإباحة. والضرب إن كان للمرأة جائزاً غير ممنوع فهو للرجل كذلك، لتشاركهما في الحكم، وذلك لعدم وجود مخصص. ولأن النتيجة واحدة في السماع. والراجح - والله أعلم - : هو قول أصحاب الرأي الثاني. ثم أنه لا يوجد أي دليل يخصص السماع للرجال بوقت محدد، لسماعه صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة، ومناسبات متعددة، وليس في يوم العيد فقط، فلا يقال أن النبي لم يُقِرَّ أصحابه على ضرب الدف بحجة العيد فقط. 3- ضرب الطبل وسماعه: ورد ذكر النهي عن الطبل بلفظه ومعناه. أما وروده بلفظه "الطبل" فلم يثبت حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا على التحقيق. وأما وروده بلفظ آخر فمختلف فيه. واللفظ الوارد هو كلمة "الكوبة". وقد اختلف أهل اللغة، وأهل الحديث في معناها. فمن قائل بأنها الطبل. [كما في لسان العرب (13/349)]. ومن قائل بأنها: النرد، وهي من كلام أهل اليمن. [كما في المصباح المنير (2/543)]. وأقوال أهل الحديث على ما سبق من كلام أهل اللغة، إلا أنهم اختلفوا في حكم "الطبل". ومجموع قولهم يتردد بين المنع المطلق، وبين الإباحة المطلقة في أنواع من الطبول، أو الإباحة في أوقات محددة. فالرأي الأول: تحريم سماع الطبل مطلقاً استناداً إلى حديث ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم عليكم الخمر والميسر والكوبة". [رواه أحمد (1/89) بسند صحيح]. وفسروا الكوبة بالطبل عموماً. والرأي الثاني: أن النهي عن الطبل ليس على أصله، بل هو مسموح به في عدة مناسبات كـ"الأعراس والغزو والحج وطبل المسحِّر"، وفي غيرها عند بعضهم الكراهة. إذاً فالطبل ليس محرماً لذاته إنما هو لأغراض دون أخرى. وهذا هو معنى فهمهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم السابق. ومن أقوالهم: قال ابن عابدين: "وإذا كان الطبل لغير لهو فلا بأس به". قال القرطبي: "فأما طبل الحرب فلا حرج فيه". قال ابن مفلح الحنبلي: "وكره أحمد الطبل لغير حرب، واستحبه ابن عقيل". [حاشية ابن عابدين (6/55) - تفسير القرطبي (14/54) - الفواكة الدواني للنفراوي (2/313) - المبدع لابن مفلح (7/188)]. والرأي الثالث: هو إباحة سماع الطبل، إلا الكوبة، وهي أحد أنواع الطبول، وهو طبل طويل متسع الطرفين، ضيّق الوسط، وسبب تحريم الكوبة أن المتشبهين بالنساء كانوا يستعملونه، فحرّم للتشبه بهم. وقد صرّح النووي بهذا في قوله "ولا يحرم ضرب الطبول إلا الكوبة". [روضة الطالبين للنووي (11/228) - الوسيط للغزالي (7/350)]. والراجح - والله أعلم -: أن حكم الطبل هو التردد بين الإباحة والكراهة، ويمنع في اللهو المحرم، وجوازه في مناسبات عدّة، عدا الكوبة. وذلك لكثرة أقوال الأئمة وأصحاب المذاهب المعتبرة بعدم تحريم الطبل في الأصل، وسماحهم بالسماع في عدَّة مناسبات، وهو ظاهر قول الأئمة الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. 4- الآلات المصاحبة للنشيد المعاصر: ينبغي أن نبين ابتداءً، أن ثمة فرقاً بين الحكم الشرعي، والحكم الذوقي والعرفي. فالحكم الشرعي الثابت بالدليل لا يتغير من ناحية الأصل، بينما يتغير الحكم من الناحية العرفية على حسب البيئات والأعراف. كما ينبغي أن نبين مسألة مهمة كذلك، وهي أن بعض الأدوات المعاصرة لم تكن موجودة في الزمن السابق، وبالتالي فإن الحكم على الشيء فرع من تصوره، وقد استوقفني السماع لبعض الأناشيد، ولكنّي عند المشاهدة والتطبيق العملي التفصيلي لصناعة الأنشودة المعاصرة أقررت رأيي فيها بشكل واضح. ولا يعني ذكر رأيي في ما أطرحه أنه لازم لمن رجح لديه غيره، فلا يزال الخلاف الفقهي موجوداً، ويبقى رأي المجتهدين محترماً، ويتم التعامل معه كما يتم التعامل مع بقية المسائل الخلافية. - وأود أن أنبه أخيراً: إلى أن ما سأذكره من أحكام للأدوات المعاصرة هو للرجال والنساء سواء. أ- آله الدف: حيث يقوم المنشد بأداء أنشودته، ويقوم شخص آخر بضرب الدف مصاحباً له، ويسمّى الناتج "أنشودة بالدف". وحكمها: الجواز، كما رجحت سابقاً في مبحث: ضرب وسماع الدف. ب- الخلاخل: وهي "الصنجات الصغيرة" الموجودة مع الدف. وهناك خلاف حول وجود هذه "الخلاخل" مع الدف في الزمن النبوي، فمن قائل: بوجودها، وبالتالي حكمها: الإباحة. [انظر: أحكام القرآن للقرطبي (3/1025) - المحلى لابن حزم (9/62) - السماع لابن القيسراني (63)]. ومن قائل بعدم وجودها، وحكمها: الكراهة أو عدم الجواز. [انظر: حاشية ابن عابدين (6/350) - مواهب الجليل للمغربي (4/7) - الروض المربع (3/124)]. والرأي - والله أعلم -: الجواز، لعدم النهي عنها، ولإمكان وجودها مع الدف في العهد النبوي. ج) الصوت البشري (human voice): هي مجموعة أصوات يؤديها المنشد بصوته الطبيعي، ومن ثمَّ يتم إدخالها في جهاز التسجيل والمعالجة الصوتية لتكون مصاحبة للأنشودة المؤداة. وهذه الأصوات البشرية يتحكم بها مهندس الصوت؛ ليصحبها مع الأنشودة كما هي، أو يمازج بين مجموعة أصوات بشرية مختلفة. وحكم هذا الناتج: الجواز. ويمكن أن يسمى الإصدار الذي يحوي هذه الأناشيد المصاحبة للأصوات البشرية: إصدار "بمؤثر بشري" أو "مؤثرات بشرية". د) الإيقاعات: أصل كلمة الإيقاع: من إيقاع اللحن والغناء، وهو أن يوقع الألحان ويبينها. وسمى الخليل كتاباً من كتبه في ذلك المعنى كتاب "الإيقاع". [لسان العرب (8/4897)]. وحكم كل إيقاع حكم الناتج من هذا الصوت أيّاً كان، سواءً صوتاً بشرياً أو آلة موسيقية أو غير موسيقية. أمَّا عن الواقع المعاصر فإن "الإيقاعات" المصاحبة للنشيد، على نوعين: 1- جهاز الإيقاعات "القديم": هو عبارة عن جهاز أشبه ما يكون بجهاز الهاتف، وفي الجهاز مجموعة من الأزرار، مخزن في كل زر منها صوت معين، إذا ضغطت زراً منها صدر صوت مختلف في هيئته ونوعه عن الزر الآخر؛ فإذا أردت مثلاً أن تضع إيقاعاً لكلمة (مبارك): فعلت فيها ما يفعل العروضيون في تقطيع الكلمة، وضغطت مقابل كل كلمة محركة زراً بصوت مختلف، فكلمة (مبارك) مؤلفة من أربعة أحرف، الميم والباء والراء منها محركة، والألف والكاف ساكنة، فإذا ضغطت مقابل الميم زراً أصدر لك صوت دف من الوسط - مثلاً - إذ إن صوت الدف من وسطه يختلف في قوته عن صوته من الطرف، ثم تضغط زراً مقابل حرف الباء فيصدر صوت تصفيق - مثلاً - ثم تضغط زراً ثالثاً مقابل حرف الراء فيصدر صوت دف من الطرف كما أسلفت لك القول، إذاً هي عبارة عن أصوات مختلفة، وعند العودة للأصل نلحظ أن حرف الميم هو صوت دف، وحرف الباء هو عبارة عن صوت تصفيق يدٍ مثلاً، وحرف الراء هو صوت دف كذلك، وهكذا. فهي عبارة عن مجموعة من الأصوات الثابتة والمخزنة في جهاز "الإيقاع القديم" أصلاً، إما دف أو صفقة يد أو الخلاخل أو غير ذلك، فعندما نسمع كلمة (إيقاع) فإن المقصود به هو ما أسلفت. وحكمه: حكم أصل كل واحد منها، سواء مفردة أو مجتمعة، وفيما سبق، فحكمه: الجواز 2- جهاز الإيقاعات "الجديد": وهو جهاز الكمبيوتر الحالي، والذي تُخزّن فيه مجموعة من الأصوات البشرية، والآلات الموسيقية وغير الموسيقية، وتدخل فيه عدد من البرامج التي سيأتي تفصيلها - بعد قليل -. فإذا ما استخدم المنشد الأصوات البشرية والآلات غير الموسيقية، فهو إيقاع من غير موسيقى، وإن استخدم الأدوات الموسيقية فهو إيقاع بالموسيقى. إذاً، فليس كل شريط يكتب عليه "إيقاع" خالياً من الموسيقى، وليس شرطاً كذلك أن يكون بالموسيقى. وعليه، فإنني أنصح وأتمنى من كل مؤسسات الإنتاج الصوتي الإسلامية أن تضبط هذه المسألة بأن تجعل كل شريط إنشادي إيقاعي ليس فيه موسيقى هو "إيقاع"، ويسمى مباشرة "أغنية هادفة". أو أي اسم آخر، يُخرج المستمع عن التلبيس! وكل شريط إنشادي فيه ولو 1% موسيقى غير إيقاع. والخلاصة: أن الإيقاعات وهي الأصوات المختلفة المعروفة منها أو المخترعة، حكمها: حكم أصل كل صوت صادر منها، فإن لم يكن فيها أي آلة موسيقية فحكمها الجواز، مهما كانت نتيجة الأصوات الصادرة، إلاّ أن يكون شيئاً غير مقبول عرفاً فيراعى ذلك شرعاً وأدباً؛ لأن للعرف أثره على الحكم الشرعي، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في شأن الكعبة: "لولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين". [رواه الترمذي (3/224) وقال: حديث حسن صحيح]. علماً أن لكل بيئة عرفها وذوقها الذي ينبغي أن يُراعى في مثل هذه المسألة. تعريف النشيد الإسلامي: ومما سبق، نخلص إلى تعريف النشيد الإسلامي: وهو الكلام الحسن الملحن ، والمؤدى بطريقة مناسبة، بشرط خلوه عن الآلات الموسيقية. فإن خرج النشيد عن هذا المعنى صار أغنية لا نشيداً. هـ) برنامج "السامبلر": قلنا أن الصوت البشري هو الصوت الناتج من أداء المنشد لصوت معين كالآهات، أو مجموعة أصوات متداخلة كالآهات والترنيمات والتمتمات من خلال إطباق الشفتين، وأمثال ذلك. فإذا ما قام مهندس الصوت وأضاف أصواتاً أخرى، أو ركّب طبقات صوتية مختلفة، فهذا ما يسمى بـ "السامبلر". فـ"السامبلر" هو برنامج يوضع داخل جهاز التسجيل أو التحكم الصوتي، يُشكِّل الصوت البشري، أو أي صوت آخر كما يريده صاحبه. و"السامبلر" برنامج يجمع نماذج متعددة كأصوات بشرية، أو أصوات في الكون متنوعة كـ"خرير الماء، رياح، ..." أو أصوات حِرْفية كـ"صوت الخشب، والزجاج، ...". ويمكن كذلك وضع أنغام موسيقية لو أراد. وبالتالي، فإن جهاز "السامبلر" في أصله ليس موسيقى ولا آلة موسيقية، إنما يتحكم بالصوت البشري أو النموذج الصوتي الموجود فيه أيّاً كان. وحكمه: ما يدخل فيه وما يصدر عنه. فإن لم يكن فيه موسيقى فحكمه: الجواز، وإن كان فيه موسيقى فحكمه: المنع. ولأن بعض الأصوات المتداخلة من الإيقاعات أو الموجودة داخل السامبلر لا يتم التعرف على ماهيتها، فإنه كثيراً ما يطرح سؤال كبير هو: هل عبرة التحريم وجود الآلة الموسيقية أم الناتج الصوتي الشبيه بالموسيقى؟ والجواب: أن هناك رأيان في هذه المسألة. فالرأي الأول: أن العبرة بوجود الآلة الموسيقية التي ثبت بالدليل تعيينها، لأنَّ هذه منهيات محددة بنص الشرع. والرأي الثاني: أن العبرة بكل ما هو داخل أو قريب من الموسيقى؛ لأن العلة في التحريم هو الصوت الناتج. والذي أراه - والله أعلم - بعد النظر والتأمل في الأدلة ما يلي: 1- أن الأحاديث الواردة في الآلات مختلفة. فهناك آلات مُنعت كالآلات الوترية، وهناك آلات لم تمنع كالدف. 2- أن الأحاديث لم تقيد طريقة الضرب الممنوع أو المسموح به. 3- أن الصوت الناتج من أداء الأنشودة الملحنة بآلة الدف المسموح بها يمكن أن يكون أثره أقوى من غير آلة الدف الموسيقية، ومع ذلك لم تمنع الآلة من الاستخدام. 4- كما أن الصوت الناتج من الأنشودة المؤداة بغير أي آلة يمكن أن يكون أثره أقوى من أي آلة موسيقية وغير موسيقية، ومع ذلك لم يمنع المؤدي من ذلك. ودليله: حديث أنجشة الذي أثّر في النساء، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "رفقاً بالقوارير يا أنجشة". [رواه مسلم (4/1811)]. ولطالما أنَّ الأدلة محتملة - في تقديري - لكلا الرأيين، إلاَّ أن هناك ضوابط وقواعد شرعية ينبغي التنبه لها حينئذ، مستندها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه". [رواه مسلم (3/1219)]. ومن ثمًَّ قول ابن رجب -رحمه الله-: "من عرَّض نفسه للتهم فلا يلومنَّ إلا نفسه". واللبيب تكفيه الإشارة. وهذه الضوابط المجملة هي: 1- التأكد أن الأصوات المصاحبة للأنشودة بشرية حقاً، أو معها أصوات لم تمر على برنامج موسيقي. 2- أن يؤدي المنشدون أناشيدهم عند مهندسي الصوت الصادقين المحافظين، تشجيعاً لهم، وتثبتاً من عملهم. 3- أن يدرك المنشدون أن إنشادهم رسالة خير، وليس موضة أو تشبه بالفاسقين، فتتميز طريقة أدائهم لتحقق الرسالة الإرشادية للنشيد، وإلا لخرجت عن الغاية المطلوبة. 4- البعد عن الأداء المرفوض عرفاً وذوقاً، والمغيّب للكلمات، والمهيّج للعواطف، والمتجه نحو أعمال المغنين اللاهين. ويحق للمربين والموجهين عدم دعم مثل هذا الأداء، لآثاره السيئة، وخروجه عن الغاية المرجوة. وبعد، فيبقى أن ننبه المستمع والمنشد فيما يتعلق بمسألة الإيقاع إلى ما يلي: أولاً: بالنسبة للمستمع: فإن له الحق في السماع أو عدمه من الناحية العرفية أو الذوقية، وله حق التوجيه والتقويم والإرشاد والتصويب في مسيرة الفن الإسلامي الراقي. ثانياً: أما بالنسبة للمنشدين، فننبههم على: أ ) أن لا يكون صوت الإيقاع أقوى من صوت الكلمات. ب) أن لا تكون الإيقاعات مضروبة بالطريقة الغربية المستنكرة عرفاً وذوقاً. ج ) أن لا تُستخدم الأصوات الباعثة للإنكار والسؤال من المستمعين. د ) أن لا يُركز على الإيقاع على حساب الكلمات والألحان وهدف الأنشودة. هـ) الحرص على عدم تقليد الألحان والإيقاعات الغنائية المبتذلة، وخاصة المنتشرة بين العوام. ثالثاً: أما بالنسبة لمهندسي الصوت: وهنا ننبه المنشدين ومهندسي الصوت مرة أخرى على أن لا يخلطوا بين المؤثر البشري الذي لا يصاحبه أي آلة موسيقية، وبين الصوت البشري الذي يُعزف على خلفية موسيقية كالبيانو أو الناي، ويُقال: إنه صوت بشري! وذلك أن الصوت البشري لا يمكن البتة بالمشاهدة والتطبيق أن يُصدر هذا الصوت لولا الخلفية المهيأة لصياغته بتلك الصورة. وأؤكد عليهم مرة أخرى أن يتقوا الله ربهم، وأن يكونوا واضحين في ذكر المصطلحات وما استخدموه، بغض النظر عن قناعاتهم الشرعية في حكم استخدامه. فعليهم ذكر ما استخدموه، ويتركوا المستمعين ليأخذوا بما رأوه أو مالوا إليه.
| ||||||
|
| | #6 | ||||||
| المبحث الثاني: الإنشاد والموسيقى: ليس هذا مجال البسط في مسألة الموسيقى، فقد طرح الكثير من أهل العلم رأيهم فيها، والذي يهمني هنا ذكر بعض المفاهيم الرئيسة التي يمكن أن تشكل صورة جيدة للفن الإنشادي بما يتعلق بمسألة الموسيقى: 1- ليس كل خلاف فقهي مطروح يعني قبوله، وإسقاطه في واقع العمل. فالنظر في الأدلة، والتمحيص للأقوال مطلب صاحب الحق. وفي موضوعنا هذا، فإن مسألة الموسيقى تعتبر من المسائل المطروحة بكل قوة في عالم الفن المعاصر. والخلاصة الفقهية التي أراها حول مسألة النشيد والتي يمكن أن نبين مدى العلاقة بينها وبين الموسيقى إن وجد هو ما يلي: جمهور الفقهاء على تحريم سماع الموسيقى مطلقاً، وعدد لا بأس به على الإباحة بشروط. و أما استناد المبيحين فهو أن هذه الأحاديث المانعة إما أنها ضعيفة السند، وإما أن لها دلالات أخرى. والذي أود قوله: أن قرابة الثمانية أحاديث في شأن الموسيقى ثابت صحيح، فالاتكاء على مستند تضعيفها لا يصح. وأمَّا أن لها دلالات تصرفها على الوجه المباشر للتحريم، فإن بعض هذه الدلالات يمكن قبوله، وبعضها بعيد الاستدلال، أو يحتاج لإعادة نظر. ولو افترضنا جدلاً أن هذه الدلالات يمكن اعتبارها، فإن رأي الجمهور قوي ودلالته أصرح وأوضح. 2- الفريق المبيح لسماع الموسيقى والغناء وضع ضوابط محددة، لي على بعضها تعقيب، علَّ المجال أن يتسع لها في مقال آخر -إن شاء الله -، وهذه الضوابط هي: أ) أن لا يشغل عن واجب. ب) أن لا يدعو إلى حرام. ج) أن لا يخالطه الحرام. والمتابع المنصف يجد أن فتح باب الموسيقى لابد أن يشغل عن المهمات عاجلاً أو آجلاً، والإنشاد رسالة، والمؤمن جاد في حياته، لا تسرقه الألحان عن واجبات الحياة فضلاً عن واجبات الشرع. 3- استطاع النشيد الإسلامي برونقه وشكله ومضمونه القديم والجديد أن يؤثر في شرائح كبيرة في المجتمع دون الخوض في مشكلة الموسيقى. 4- في الإيقاعات الصوتية المعاصرة غُنية عن الرعي حول الحمى! 5- ولأدب الخلاف وبيان الحق في آن واحد، أعجبتني التوصية المتعلقة بهذه المسألة في ختام المؤتمر العلمي الثاني لرابطة الفن الإسلامي العالمية، في الفقرة (4) ونصها: (لرابطة الفن الإسلامي العالمية وأعضائها المنتسبين لها خصوصية في استخدام الوسائل التقنية المعاصرة التي ليس فيها آلات موسيقية، وترى أن فيها ما يُجِّمل ويُحرِّك الأنشودة في المجتمع. ومن رأى استخدام الآلات الموسيقية اعتماداً على فتاوى من يثق بهم من أهل العلم بعد التحري فهو خاصٌ به). وهنا أود أن أضع عشرة خطوط تحت هذه الكلمات المهمة أهمس بها لإخواني المنشدين وخاصة المبتدئين منهم، يساعدني في التعبير عنها أخي المنشد أبو الجود: ليس ضرورياً دائماً أن تشارك الإيقاعات فضلاً عن الموسيقى لمن رأى بها في كل الأناشيد، فقد يقرر المنشد صاحب الرسالة إدخال آلة إيقاعية واحدة أو أكثر لكلماته وألحانه المختارة، أو لربما اختار خلفية هادئة لتملئ فراغات هي من أساس لحن الأنشودة. وقد تسكت واحدة وتعمل أخرى، وأحياناً قد لا يناسب أداء الأنشودة أية آلة. ولا يدرك هذا المعنى المهم إلا المنشد الذي يعيش الكلمة واللحن والمناسبة والجمهور. وبالتالي فإن المشكلة الآن ليست في قبول الإيقاعات من عدمها، بل المسألة الأهم لمن رأى بها، متى تستخدم الإيقاعات ومتى تترك؟ وكيفية استخدامها. فهناك مواطن يفضل فيها عدم استخدام الإيقاعات بل حتى الدف، ومواطن أخرى يستحسن فيها استخدام الدف دون الإيقاع، وهكذا. فالمسألة ليست إيقاع أو دف من عدمه. وهذا يجعلنا نتحدث في مسألتين مهمتين وخطيرتين ألا وهما: الإسراف في المباحات والخروج عن المألوفات: فالإيقاعات والدف غاية القول فيها الإباحة، وخروجها عن هذا الإطار خلل في الفهم. والمباحات لا ينبغي الإسراف فيها أبداً، لأنها قد تؤدي على السآمة وقد تؤدي إلى القسوة، مثلها مثل بقية المباحات. والمسألة الثانية هي: الخروج عن المألوفات. فلو أن مهندساً معمارياً أو جوياً ذهب إلى عمله بلباس الرياضة لاستنكر كل الناس فعله. ليس لأن لبس الرياضة غير مباح، بل لأنه غير مألوف، ويعطي انطباعاً سيئاً عند الناس، ولو كان الأمر شكلياً. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بأن يحسنوا رحالهم حتى يكونوا كأنهم شامة بين الناس، وذلك لأن للمظهر العام رونقه وتأثيره. وبالتالي فإن إقحام الدف والإيقاعات المجلجلة في كل حفل ولجميع طبقات الناس أمر مخل، وقد تكون آثاره غير مرضية، لأن العامة لا يفهمون أو لا يصدقون هذه الإيقاعات التي ربما يُسيء استخدامها البعض فتكون أشبه بالموسيقى. أو أحياناً هي الموسيقى بعينها. تطاول الناشئة: إنه ليحزنك ثم يحزنك تطاول بعض الناشئة -هداهم الله- المقتاتين على الفن الإسلامي الأصيل، الذين صكوا الآذان بالإيقاعات الصاخبة، التي لم تسمع معها أي كلمات، أو ألحان شجية فضلاً عن معرفة صوت المنشد جمالاً أو هذياناً! وهؤلاء الناشئة وللأسف لم يدرسوا أصلاً على يد كبار المنشدين أصحاب الرسالة، ولم يتعلموا غاية النشيد، إنما نشـأوا في عصر الإيقاعات فصاروا هم كالإيقاعات لا تستطيع ضبط كلماتهم أو ألحانهم أو أصواتهم!! وهذا لا يعني أكثر المنشدين الجادين المعروفين اليوم، إنما هو صورة مشاهدة ينبغي ترشيدها، وحسن توجيهها. كما ينبغي على أساتذة وأرباب النشيد الإسلامي الأصيل في كل مكان في العالم، وهم موجودون -بحمد الله-، أن يتنادوا كل عام على أقل تقدير، وبحضور الناشئة خصوصاً، للتناصح والتذكير والتوجيه والتشجيع والتسديد والتقويم. والتأكيد على الشباب الجدد المقبلين على المشاركة في إصدار الأشرطة أو الفرق الإنشادية أن لا يستعجلوا في مثل هذه الأمور، وأن لا يستسهلوها فالأمر جد صعب ومخيف، وأن يقبلوا على الموجه والمرشد والمجرب الحكيم. راجياً من الله تعالى للجميع التوفيق والسداد، لرفع راية الحق، ونشر الصورة المشرقة الرائعة الصحيحة للإسلام. المبحث الثالث: تحوّل بعض المنشدين إلى مغنيين: يدعو الإسلام دائماً أن يتحرى المسلم الحقيقة، وأن يبحث عن الدليل، وينصت ويناقش أهل العلم الموثوقين، لكنه يمانع التقليد الأعمى، وتتبع ما تمليه النفس والأهواء. فإن بعضاً من المنشدين - هداهم الله - لا يستند لأفعاله بحجة شرعية إلا أن فلاناً أو آخر أباح ما يقوم به، ولو ناقشته وحاججته بالدليل لسكت وما أجاب، واكتفى بتلقيه الفتوى من غيره، أياً كان هذا الغير! وهنا يكمن الخطر، فنحن لا نحصر الرأي الفقهي، ولا نقول أنه لا خلاف في بعض المسائل، إلا أن الواقع الذي نعرفه يتجاوز الحد، والفتيا ينبغي أن تُبنى مع الدليل على معرفة الواقع والنظر للمآلات. فقد بدأ بعض المنشدين - هداهم الله - بعد تلقي فتوى سماع الموسيقى، إلى دخول صالات العرض السينمائي المختلط، ومشاهدة قنوات الطرب، بحجة سماع الأنغام والألحان، وتتبع أين "الأكشن"؟!، وثمَّ حلقوا لحاهم وأطالوا ثيابهم، وأتوك بعدئذ ليقولوا: نحن صرنا مغنيين لا منشدين، ولكننا مغنيين أصحاب رسالة! وهذا الذي نسمع عنه ونراه تَحوّلٌ في الرسالة الفنية والشخصية الإسلامية، وليس هو مجرد تبادل أدوار. فدين الإسلام دين شامل، ولأتباعه خصوصيتهم وسمتهم. ولا يعني بالضرورة أن وجود منشد ذي ثوب طويل، ومن غير لحية أن شخصيته غير إسلامية، أعوذ بالله من ذلك. إذ إني أُقدِّر ظروف البيئات، ومواقع الحاجة والضرورة المأذون بها شرعاً. ولكني أقصد تلك الخطوة غير المحمودة، التي تخرج الفن الإنشادي عن دوره، إذ إني لا أتخيل الجمهور الإسلامي سيقبل من المنشدين بيانو وقيثار وعود على خشبة المسرح، أما غيرهم فنعم، فلو كانوا مغنيين لكان هذا لهم وأمرهم إلى الله بما سيعرضونه. وإنني أنصح هؤلاء الإخوة - وهم قلة - أن يعيدوا النظر في هذا الأمر، ويتعرفوا على حقيقة جمهورهم، وينتبهوا لمداخل الشيطان عليهم، سائلاً الله لنا ولهم الهداية والتوفيق. المبحث الرابع: الاستفادة من المغنيين والملحنين: الإسلام يسع الجميع ممن أقر بالأركان الخمسة، ومع ذلك فإنه يدعو لنشدان الكمالات -قدر المستطاع - في الواجبات والمستحبات، في الظاهر والباطن. وفي دعوة الإسلام الرفق والتسامح والأمر بالمعروف، وفيها كذلك النهي عن المنكر وهجران المبتدع والفاسق في أحوال. فعند بعض المغنيين (المطربين) خير كثير في فعل المعروف، وعندهم علم متميز في أصول المهنة الغنائية، ومثلهم الملحنون. فالاستفادة منهم، والسماع لتجاربهم الحياتية لا حرج فيه، بشرط أن يكون الأمر متعلقاً بما هو مفيد، ضمن الأطر الشرعية، في السماع أو التطبيق. ومما ينبغي التنبه له عدم فتح الباب على مصراعيه لهذا الأمر، لأن للنشيد الإسلامي رونقه وذوقه الخاص، الذي قد يصعب على بعض ملحني الغناء فهمه وتطبيقه!. فلماذا يتم النزول إليهم ونحن أصحاب الصنعة الإنشادية؟! المبحث الخامس: الرقص المصاحب للإنشاد للرجال: يتخوف البعض من ذكر لفظة "الرقص"؛ وذلك للأثر السلبي الذي أفرزته القنوات الفضائية الهابطة. وإن كان لفظ الرقص ورد ذكره في موضع الإباحة في حديث الرسول الكريم \. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبيه، لأنظر إلى زَفْنِ الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنهم، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أُرْسلت بحنفية سمحة". [رواه أحمد (6/116) بسند حسن]. قال الزمخشري: "الزَفْن: الرقص وأصله الدفع الشديد والركل بالأرجل". [الفائق في غريب الحديث (2/112)] كما ثبت أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حَجَل في محضر النبي صلى الله عليه وسلم في مقام فرح وسرور. [أخرجه أحمد برقم: (857) وهو حديث حسن]. والحَجَلُ: أن يرفع رجلاً ويقفز على الأخرى من الفرح ، وقد يكون بالرجلين إلا أنه قفز.[النهاية في غريب الحديث(1/899)]. والشاهد: أن اعتبار اللعب المباح في الوقت المناسب هو من سماحة الدين الإسلامي، وإظهاره مما دعت إليه الشريعة ليعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة، بل لأثره في توازن النفس البشرية، ولتعميق مفهوم العبادة بصورتها الصحيحة، ليعلم المسلمون كذلك أن في دينهم فسحة حتى في أوقات أداء أركان الإسلام، وأنه لا حرج عليهم في إظهار ما يسرهم ويفرحهم. فعن عائشة رضي الله عنها: "أن أبا بكر دخل عليها، والنبي صلى الله عليه وسلم عندها، يوم فطرٍ أو أضحى، وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت الأنصار يوم بُعاث، فقال أبو بكر رضي الله عنه : مزمار الشيطان؟ مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم". [رواه البخاري برقم: 3716]. وفي رواية أحمد: تضربان بدفين، فنهرهما أبو بكر. [رواه أحمد (6/134) بسند صحيح]. وحال كلمة الرقص ككلمة الغناء، التي صارت رمزاً اليوم لما هو مبتذل وموجّه للعاطفة الجامحة، والخلوات المريبة، وإن كان أصلها شرعياً، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله: "أرسلتم معها من يغني". [رواه ابن ماجه برقم: (1900) وهو حديث حسن بشواهده |